ثقافةمقالات

فلسفة اللذة والألم والدوبامين

فلسفة اللذة والألم والدوبامين

فلسفة اللذة والألم والدوبامين

دراسة وتحليل د/علوي القاضي.
وصلًا بماسبق فقد قدمت الطبيبة النفسية ٱنا ليمبيكي في كتابها
“أمة الدوبامين” وصفًا دقيقًا لتعريف الإدمان وطرقه وأنواعه وطرق التخلص منه ، وقد أفاضت واستفاضت في تشخيص المرض وطرق العلاج بصفتها طبيبة نفسية
وهذا ماوصلت إليه الأستاذة رفيقة مسعودي  فتقول ، أن اللذة والألم متلازمان ومترابطان ومتأرجحان كصغيرين على أرجوحة ، يتسابقان ليصل كل منهما لبلوغ الحالة التي خلق من أجلها فلا اللذة تكون منفردة ولا الألم وحده ، كل يكمل الٱخر لخلق التوازن العاطفي
أيها الأحباب ، ماخلقت اللذة إلا لمحو الألم ، وماخلق هذا الأخير إلا ليضبطها ، فهي القاهرة للروح إذا تمكنت منها ، وإذ يستبيح الألم عنفوان اللذة ، فنجدها تكسره في أوج قوته ، وهما كتوأم يشتركان في أشياء كثيرة ، يشعران ببعضهما ، ويعيشان بقلب واحد ، ويتفرقان على كل القلوب
كم من لذة عبرت في صحراء حياتنا ، وجابت كثبانها، مثلاً ، لذة النجاح والتفوق ، ولذة الظفر بما نتمناه ، ولذة لقاء الأحبة ، ولذة الأكلة الهنية ، ولذة الثوب الجديد ، ولذة ولد رزقنا به ، ولذة ضحكة خالطتها سعادة قلب خال ، ولذة الكسب المشروع ، ولذة البيت الفاخر ، ولذة جولة أزاحت عن الخاطر كدره ، كم وكم وكم
وهذا مايجعلنا نهيم في بيداء الأنفس ، باحثين عن السعادة التي ستمنحنا هذه اللذة ، كل الظروف تدفعنا لذلك ونتناسى ، وتأخذنا بعيداً عن الواقع ، ونُخلّف وراءنا مالاتراه عيوننا ، وتعلونا الغطرسة ، ونحس أننا نملك العالم بأكمله ، وتغشانا السكينة التي تهفو بأرواحنا ، فتهزأ بها وتؤتيها أملًا خائبا ، ويعبر قطار العمر بين هذا وذاك ، ولا إحساس يردعنا ، ونطمئن ، وهيهات الإطمئنان ! ، نشعر أن الكون بأكمله ملكنا ، والحياة مشرئبة الأعناق تتوق لما هو خير وأحلى ، ومن لذة إلى أخرى نحن نتهاوى ونتناسى
ثم يأتي الألم بجبروته وعنجهيته وعجرفته في سكون الليل ، أو فلق الصبح يأتي رويداً رويداً ، يمشي الهوينه ، كي لايحدث صخبًا في الحياة ، أويسري في قطع من السواد يحط في أعماق القلب ويكِنُّ ، أو يحل قريبًا من محلنا ، تراه لِمٓ زارنا ؟! ، أليجالسنا مع القوم ، ليرينا قيمة العبد في الأرض ، ويصحح مسارنا ، ويعبث بأوراقنا التي بتنا نرتبها ، وفق لذاتنا ، ويعبر ويترك الأثر ؟! ، ولسان حاله يقول وقوله لايزيغ ، أنا الألم وحدي من أفهم تقاسيم الروح وحاجاتها ، ترافقه العبرات والأحزان ، تشدو كما تشدو البلابل لكن بنغم حزين ، تعصف بأوراق صففناها وكتبناها بنبضاتنا ، تعدو عندنا الأحلام هاربة ، وأين المفر ، لابد من الإنكسار لنقوى ويشتد عودنا ، لابد من الدمع لنغسل مااقترفنا ، لابد من الشجن لنحيا كما تحيا القلوب ، أفئدة مصفوفة وهامات متعالية تحتاج إلى قليل من جرعات الألم فتقص أجنحتها حتى لاتطير في فضاء الضياع
كم من نفس إنشغلت وهامت في متاهة ، كم من روح لم تتدارك مافاتها ، لأن اللذة ختمت على القلب ، كم من مسكين توخى وحذر ، لكن إنشغاله بحلاوة الدنيا أنساه حلاوة الآخرة
أحبابى ، ماعساي أن أقول ، إلّا أن القلب المحظوظ هو ماكان مرتعا للأحزان فيخلو معها في الملكوت ، متدبرًا ، ومفكرًا ، ومسترجعًا ، ومستفسرًا ، ومراجعًا لسكناته وحركاته وأقواله ، نحسبه شرًا وهو خير كثير ، ولانعلم أنه خير لنا ، ولو كان كما إبتغينا لكان الألم أفظع ، نبكي وننوح ، ولانعلم ، أن ذلك المقدار من الألم تخفيف من المولى عزوجل وتكفير للحظات لذة عشناها ولم نحمد الخالق عليها ، أو كِبْر بلغناه وإستمرينا فيه بجهل منا ، إنها مقادير الله أن جعل لكل شيء قدْرا ، نصبر ولانصبر ، ويخبو صبرنا كنار أوقدناها في ليلة عاصفة ، فانطفأ فرحنا ، نبحث عن جذوة لإشعالها فٓتٌهْنا وانشغلنا بسكون الليل ، ونسينا أننا نبحث عن الهدى لننير العتمة التي تحيط بنا
أحبابي ، علينا التعود على الألم واستقباله برضا ، لأنه ترياق الروح وهي تحتضر ، وزينة النفس أمام بارئها ، وقربة الروح إليه ، تلك العبرات والدموع المنهمرة لاتتوانى أن تدنيك من مكانةٍ ومنزلةٍ ومٓقْرٓبة من الخالق فتناجيه ، وتحدثه ، وتشكو وجعك ، وتشهق بين يديه ، وتبوح بكل أسرارك ، وتخترق حجب السماء ، فتشعر أنك تجلس تحت عرشه ، ذليلًا ، ضعيفًا ، متهاويًا ، لتجد روحك قد علت واستكانت ، وكأنك العائد بعد غربة إلى حضن الأم والوطن
أخي الكريم ، إحساس جميل وأنت تقدم ألمك بين يديك عليلاً بالأوجاع ، فتجد رب السماوات وما أقلت ، والأرض وماحملت ، مضيافاً لروحك ، ماسحاً لأوجاعك ، غافراً لذنبك ، فتخر شكرا ، وتبدي عذرا ، وتستقبل بِشْرّا
أيها الأحباب ، إستبشروا خيراً ، أيها الحزانى والموجوعون ، لن يبقى الألم مدى الحياة ، ولن تبقى اللذة كذلك ، لكنهما يتراوحان كميزان بدقة عالية لتبقى الروح كما يحبها الله أن تبقى
حكمة بالغة من الله سبحانه ، وعلينا إدراكها ، فطوبى لمن عرف ففهم ، وفهم فعمل ، وأسلم أمره لله
أيها الأحباب ، علينا التعايش مع النقيضين كـ الملح و السكر ، الأول يزيد طعامنا ملاحة ، والآخر يُحليها وكلاهما نافع ولذيذ فمن قال أن الألم ألم فحسب ؟! ، إنه قمة اللذة ، وأنت تناجي الخالق بصدقك ، بوجعك ، بضعفك ، فتجده مجيبًا بعد طرقك للأبواب وعودتك خائبًا من أبواب البشر ، إِيهِ ياقلب لو تدري اللذة الحقيقية ، وأنت تناجي الله لأفرغت قلبك من كل اللذات ، وأتبعت سبيل اللذة الخالدة واستبشرت خيراً ، لأنك بذلك تكون على سبيل الهدى.
أخي الكريم ، كم هو جميل ، أن تغير مسار حياتك ، وتزهد في كل ماحولك ، ليس زهد التارك اليائس ، بل زهد العالم العارف ، الذي وظف وسخر كل مايحيط به ، للقرب من المولى عزوجل
واعلم أنه لايمكن لأي أحد أن يوضح الأمر ، لأن الأمر بيد الله ، والتوفيق من عنده ، فما خاب ولاخسر من أفرغ قلبه من النزوات العابرة ، والشهوات البائدة ، والسلوكيات المشينة ، والأوقات الفارغة
وهنا أخي الكريم ، تكون النفس مخيرة ، بين دربين لاثالث لهما إما نعيم وسكون وطمأنينة ، أو تشوش فكر وانشغال وقلق وراء تصاريف زائلة وأحوال مبعثرة كأوراق الخريف.
أحبابي ، إنما هي القناعة بقضاء الله وقدره ، حلوه ومره ، لذته و ألمه ، تلك القناعة التي يجب أن تربو في أنفسنا ، فنغذيها بالصبر والرضا ، والرجوع إلى الله وتسليم مشيئتنا له ، مخبتين مخلصين النية.
هنا يكفينا من القول : اللهم رضينا بك ربا وخالقا وعادلا وخبيرا نعم المولى ونعم النصير.
فلسفة اللذة والألم والدوبامين

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى